إني لا يحلُ لي أن أُضيّعَ ساعةً من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مُذاكرةٍ، وبصري عن مُطالعة؛ أعملتُ فكري في حال راحتي وأنا مُستطرح؛ فلا أنهضُ إلا وقد خطر لي ما أُسطّره.
أبو الوفاء بن عقيللولا أنّ القلوبَ تُوقنُ باجتماعٍ ثانٍ؛ لتفطّرت المَرائرُ لفِراقِ المُحبّين.
أبو الوفاء بن عقيلإنْ ذَمَمتَ الدنيا بالغُرورِ؛ قهلّا مَدحتَها بما وَعظتْ به من تصاريفِها على مرّ الدهور؟! ، واللهِ لقد تَكشَّفتْ عن مَعايب تُوجبُ الزهدَّ فيها، كما أبرزتْ عن محاسنَ تُوجبُ الرغبةَ فيها.
أبو الوفاء بن عقيلومَعلومٌ أنّ المُتَبَذِّلَ في اللهِ لا يُلامُ عقلاً؛ لأنه ليس فوقَ إنعامِهِ إنعام، ولا على إحسانِهِ إحسان، نِعمُهُ تَنهال، وبِرُّهُ لم يَزلْ ولا يَزال، يَمدحُ على القليلِ وهو المُعطي، ويَرضىَ باليسيرِ وهو المُوفِّي ( إنكم لفي قولٍ مختلف ) .. لا أرى لك ثباتَ قدمٍ على ندم، ولا جودٍ ولا مَوْجود، ما لهذا خُلقت، ولا بهذا أُمرت؛ فارجعْ واَنِبْ، واستغفرْ وتُبْ؛ فلقد رحلَ إخوانُك سابقين، وبقيتَ أنت مع المُتخلّفين.
أبو الوفاء بن عقيلأنت أبداً تَنسىَ نفسَك وقَدْرَك عند كلامِك في الله، واعتراضِك عليه، ولو ذكرتَ مقدارَك بالإضافةِ إليه؛ تكلّمتَ كلاماً صغيراً بحَسَبك، ولا تتكلم كباراً بقول: (لِمَ؟ وكيفَ؟ ولو صنعَ هذا لكان أحسنَ وأتقن ولو قال كذا لكان افصح) .. العامّةُ تقول: "لعنَ اللهُ صبيّاً أكبرَ من أبيه"، ولكن ما أوقع اللعنَ في حقِّ عبدٍ أكبرَ من سيّدِهِ، ومخلوقٍ يتكبّرُ على خالقِهِ، ومُحكَّمٍ يَتحاكمُ على مُحكِّمِهِ ! ، ما بلغَ علمُك إلى الحد الذي يزري على علومِ الشرع، وتدابيرِ هذا الربِّ سبحانه وتعالى ؟! ، ولكن هذا كله وأمثاله دخلَ من باب جهلِك بنفسِك، ولو علمتَ مقدارَك لعلمتَ مقدارَ صانعِك، إمّا تعظيماً لنفسِك فعَظِّمْ مَنْ صَنَعَها، أو استزراءً لها؛ فلا تتحاكمْ على مُحكِّمِها؛ فأنت في كلا الحاليمِ - مُعظِّماً لنفسِك أو مُعلِّلاً لها - لا ينبغي أن تَبدُرَ منك بادرةُ اعتراضٍ عليه، ولا تتحاكمْ، لكن يجبُ عليك بحُكم الصيغةِ أن تُسْلِمَ لأفعالِهِ، وتُحكِّمَ حِكمتَه.
أبو الوفاء بن عقيلليس تعظيمُ اللهِ كثرةَ اذِّكارِهِ باللسان، إنما التعظيمُ للهِ -سبحانه وتعالى- بحُسنِ الاستجابةِ والامتثال.
أبو الوفاء بن عقيلما لم تجده في غيرك، فلا تتشاغل بالتعجُّب من عدمه، حتى تجده في نفسك، فإن لم تجد خُلُقاً تَحمده في غيرك ووجدتَ نفسك تطلبه؛ فاكتسبه لنفسك .. فما أحسنَ أن تكون الفضائلُ لك !
أبو الوفاء بن عقيلالأمراضُ مواسمُ العُقلاء
يَستدركونَ به ما فاتَ من فوارطِهم وزلّاتهم، إن كانوا من أرباب الزلات، ويستزيدون من طاعتِهم، إن لم يكونوا أربابَ زلات، ويَعتدُّونها - إن خَلَصوا منها بالمُعافاةِ- حياةً بعد الممات.
فمن كانت أمراضه كذا؛ اغتنمَ في الصحة صحةً؛ فقامَ من مرضه سليمَ النفسِ والدين.
والكافرُ يُنفقُ على الأدوية، ويُعالجُ الحميَةَ، ويُوفي الطبَّ الأجرَ، وليس عنده من علاج دينه خُبْرٌ .. فذلك ينصرعُ بالمرض انصراعَ السَّكران، ويُفيقُ من مرضِهِ إفاقةَ الإعدادِ لسُكرٍ ثان.
أمّا ما كلّفكَ من الفَرْضِ، فقد آتاك قدرةً عليه واستطاعةً له، وأمّا ما نَدَبك إليه من الفَضل، فقد أعدّ لك بإزائِهِ ألطافاً .. فإذا أدّيتَ الفروضَ أمدّكَ بالألطاف؛ ليكملَ بفعل الزيادات من الفضائل
وأنت إذا أهملتَ الفروضَ وقصّرت في الحقوق؛ سَوَّلتْ لك نفسُك أن تعتذر بعدم التوفيق والإعانة .. فتقول: ( لو وّفّقني، لو أعانني ) .. ما أغفلكَ عن الحُجّةِ له ! .. وما أجراكَ على الاحتجاجِ عليه بما لا يُورثُك إلا بُعداً من الله ! .
لو عَرفتَ قبلَ الأعمال؛ سَهُلَتْ عليك .. لكنك لم تُتقن المَعارف؛ فثّقُلَتْ عليك التكاليف.
أبو الوفاء بن عقيلPage 1 of 2.
next last »
Data privacy
Imprint
Contact
Diese Website verwendet Cookies, um Ihnen die bestmögliche Funktionalität bieten zu können.