لا يسر قلبي شئ مثل أن أرى اختفاء الجبارين, وفراغ أيديهم من أسباب البطش ووسائل الغلبة والقهر و انكشاف مواهبهم بعد زوال الحكم وزوال ما يضيفه الحكم على ذويه من مواهب فارغة! ـ وعلة هذه العاطفة شعوري العميق بحاجة الشعوب الشرقية إلى حكومات لا تعطيها حقوقها فحسب, بل حكومات تسرف في ذلك إلى حد تدليل الشعب و إشعاره النهاية القصوى في الحرية والسماحة , فإن الحكومات المستبدة القاسية , المستهينة بالدماء المستبيحة للحريات , هى في الحقيقة الجسر الممهد الوحيد الذى يعبر عليه الإذلال الأجنبي و الاستعمار الخارجي ليجد أمامه ظهوراً أوجعتها سياط الإذلال الداخلي فأصبحت ذيولاً ورءوساً مرنت على الانحناء فأصبحت خفيضة منكسرة !
محمد الغزاليأن الهندسة، والطب والفلاحة، والصناعة، ومختلف الحرف وأسباب العمران من أركان الإسلام، وأنها تدخل دخولا محتوما فى دائرة الإحسان التى تناولها الحديث الشريف بهذه العبارة الموجزة: " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ".
وذلك لأن الإنسان ـ وهو محور النشاط الدينى وموضع التكاليف السماوية ـ لا تستقر له حياة، ولا يستقيم له وجود إلا إذا كفلت له معايشه وتعاونت ظروف البيئة على ضمانها.
أى أنه يوجد ويستقر أولا ثم تلاحقه الواجبات بعد ذلك.
وهذا الوجود منوط بالكدح سحابة النهار والاستعداد له ـ بالراحة ـ أثناء الليل قال تعالى: (هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا)
وقال تعالى: (وجعلنا الليل لباسا * وجعلنا النهار معاشا).
إن الإسلام عندما ظهر فى العالم وجد الرق واقعا ينتظم الحضارات الهندية واليونانية والرومانية وتقره الديانتان اليهودية والنصرانية...
وقد بذل جهودا لتجفيف منابعه وتخفيف أوزاره لكن الدول الأوروبية أبت إلاّ استبقاءه وترويج تجارته وإرسال الأساطيل التى تخطف الألوف المؤلفة من شواطئ إفريقية وترسلها إلى أوروبا وأمريكا.
والذى يلفت نظرنا هو الوجه الصفيق الذى يجعل أوروبا تخفى آثامها وتوجه الشتائم المقذعة إلينا!
والرجل النبيل إذا صرع خصمه لم يتركه على الأرض متعثراً في أذيال هزيمته, بل يسرع إلى الأخذ بيده قبل أن يستولي عليه شعور الخزي والمعرة في سقطته
محمد الغزاليوالإتقان لا يتأتى بالادعاء والجهالة، فإن لكل عمل أرضى أو سماوى قواعد يصح بها، وتدرك بالتعلم والمران.
محمد الغزاليتصور مثلا أن المسلمين متخلفون فى صناعة الدواء، وأنهم فى هذا عالة على غيرهم من الأمم الشيوعية والصليبية!
أتظنهم بهذا التخلف يسدون إلى دينهم أو إلى أنفسهم جميلا؟ أم أنهم بهذا التخلف يهزمون مبادئهم ومثلهم العليا فى أول معركة مع عدوهم؟ تصور أنهم متخلفون فى فن الطباعة، أتراهم يستطيعون السيطرة على وسائل النشر وإبراز الحقائق وإغراء ألوف القراء بمطالعتها والإقبال عليها؟
إن مهنة صيدلى، أو مهنة طباع، فرائض على المجمتع الإسلامى كالصلاة والصيام سواء بسواء، غاية ما هناك من فرق أن الصلاة والصيام لا يتخلف عن أدائها أحد، أما فروض الكفاية فيختار لها من يصلح لها.
يقدر أحد الناس على تناول أقراص من الخبز، وارتداء ألبسة من الخيش، والانزواء بعد ذلك فى مكان خرب أو عامر يعبد الله كما يرى.
والبيئة التى يوجد فيها هذا الصنف من الناس ربما لا تتطلب أكثر من رحى للطحن، ومغزل للنسيج، وعدد من الأشغال التافهة هى التى تمثل " فروض الكفاية " فى مجتمع ساذج.
لكن الإسلام لا يصلح فى هذه البيئة، ولا تعاونه أدواتها على السير، ولا على مجرد البقاء.
لو كان الإسلام رهبانية صوامع ربما أنزوى فى جانب منها واكتفى بأى لون من العيش، ولكنه دين يبغى الاستيلاء على الحياة، وإقامة عوجها ومحاربة طواغيها.
إن إجادة الأعمال كلها غاية من وجود الإنسان على ظهر هذه الأرض!
(تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير* الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور).
إن عبادة الله فى الحقل كعبادته فى المحراب، وعبادته فى المصنع كعبادته بالسعى والطواف.
محمد الغزاليليست العلاقة بالله ساعة مناجاه في الصباح أو المساء ينطلق المرء بعدها في أرجاء الدنيا يفعل ما يريد. كلا هذا تدين مغشوش.
الدين الحق أن يراقب المرء ربه حيثما كان, و أن يقيد مسالكه بأوامره, و نواهيه, و أن يشعر بضعفه البشري, فيستعين بربه على كل ما يعتريه.
« erste vorherige
Seite 45 von 157.
nächste letzte »
Data privacy
Imprint
Contact
Diese Website verwendet Cookies, um Ihnen die bestmögliche Funktionalität bieten zu können.